السيد السفير، لقد زار غيدو فيسترفيلّه في ديسمبر/كانون الأول 2010، كأول وزير خارجية غربي، العراق بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت هناك في مارس/آذار من العام نفسه. كيف كان وقع هذه الزيارة لدى الشركاء العراقيين؟
لقد جاء غيدو فيسترفيلّه في الوقت المناسب إلى بغداد. إذ كان العراق قد اتخذ قبل ذلك خطوات هامة جداً على طريق تعزيز التطور الديمقراطي-كان البرلمان الجديد قد عقد جلسته التأسيسية وانتخب رئيس البرلمان ورئيس الدولة. بالإضافة إلى ذلك تم تكليف رئيس الوزراء المنتهية ولايته بتشكيل حكومة جديدة. وقد تم تقييم زيارة وزير الخارجية الألماني-وهي بالمناسبة أول زيارة لوزير خارجية غربي بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في مارس/آذار 2010-هنا في بغداد بأنها اعتراف من جانب ألمانيا بهذا التطور الداخلي الإيجابي الذي حدث ضمن ظروف في غاية الصعوبة.
قال الوزير بأن الزيارة تمثل "عرضاً واضحاً" من ألمانيا لإقامة "أوثق علاقات التعاون والشراكة" مع العراق. فما هي الحقول المقصودة بذلك؟
لقد نشأ جيل كامل من العراقيين تحت ظروف الحكم الدكتاتوري وحالة الحرب والفوضى الشاملة لفترة من الزمن. والبداية الديمقراطية الجديدة تضع البلاد أمام تحديات جسيمة بكل معنى الكلمة. ولقد أبدت حكومة العراق ومواطنوه الاستعداد لمواجهة هذه التحديات. فهم يعرفون أن ما من أحد يستطيع تحمل المسؤولية عن بناء نظام ديمقراطي شامل في بلادهم نيابة عنهم. ولكن هناك العديد من الإمكانيات لدعم هذه العملية كشريك. أذكر منها ثلاث: على رأسها دعمنا لبناء هياكل حقوقية وقانونية وخاصة في مجال القضاء وحماية حقوق الإنسان. والإمكانية الثانية هي إعادة دمج البلد في الاقتصاد العالمي. والإمكانية الثالثة هي التأهيل المهني لجيل كامل من العراقيين الذين لم تتوفر لهم حتى الآن الفرصة لإعطاء حياتهم أفقاً مضيئاً عن طريق التعلم وممارسة مهنة حقيقية.
من المؤكد أن تحقيق شروط دولة الحقوق والقانون يشكل أحد المجالات الأساسية للدعم الألماني. فما هو الدور الذي تلعبه في هذا الصدد قضايا حقوق الإنسان، على سبيل المثال فيما يخص حقوق النساء والأقليات العرقية والدينية؟ ما هي الأمثلة الملموسة على ذلك؟
تشكل حقوق الإنسان النواة الأساسية للمبادئ السياسية لأي مجتمع ديمقراطي. يجب أن تترسخ في أذهان وسلوك المواطنين وأيضاً في تصرفات أجهزة الدولة وممثليها. وهناك بدايات متنوعة لتشجيع ودعم هذه العملية. إذ إن حماية حقوق الإنسان تشكل أيضاً أحد مراكز الثقل في الدعم الألماني. فقد قام في سبتمبر/أيلول الماضي سنة 2010 أعضاء المحكمة العراقية العليا بزيارة إلى ألمانيا. وناقشنا خلال الزيارة بطريقة بناءة جداً متابعة المشاريع الألمانية للحفاظ على حقوق الإنسان وتطبيقها عملياً وذلك عبر مؤسسات ألمانية مختلفة أذكر منها معهد ماكس بلانك في هايدلبرغ والمنظمة الألمانية المعنية بتقديم معونات تنموية "إنفنت" InWent، على سبيل المثال. وقامت المؤسسة الدولية للتأهيل والتنمية "إنفنت"، بالتعاون مع شركاء عراقيين من المجتمع المدني، بإعداد دليل عن حقوق الإنسان يسهل العمل اليومي في الوزارات العراقية، على سبيل المثال بخصوص التعامل مع الأقليات العرقية والدينية أيضاً. وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من وزير العدل ووزير حقوق الإنسان في الحكومة الجديدة قد أعربا عن رغبتهما في متابعة التعاون مع ألمانيا. بخصوص حقوق النساء: يناقش المجتمع العراقي بدرجة أقوى وأكثر عمقاً دور النساء الذي لم يتحرر بعد من قيود التقاليد القديمة. ونحن ندعم بكل قوانا هذا الإنفتاح للنقاش المجتمعي. وهكذا تدعم الحكومة الألمانية العديد من المشروعات التي تساعد النساء العراقيات على الدفاع عن حقوقهن بصورة أفضل، ومنها، على سبيل المثال، إنشاء بيوت لرعاية النساء، والمساعدة على تأسيس الشركات، وإنشاء مركز للتذكر والحوار للنساء اللواتي نجين من الموت في عمليات الأنفال سنة 1988.
رافق وزير الخارجية الألماني وفد اقتصادي. فكيف تطورت العلاقات الاقتصادية الألمانية العراقية في الأعوام الأخيرة؟ وعلى أي الحقول يتركز التعاون الاقتصادي بين البلدين؟
أدت الأوضاع الأمنية الصعبة إلى جعل العلاقات الاقتصادية الألمانية العراقية تتطور في الأعوام الأخيرة ببطء وحذر. غير أن الأرقام تتجه نحو الأعلى ونحن نأمل في أننا سنتمكن في سنة 2010 من الوصول لأول مرة إلى حدود مليار يورو من المبادلات التجارية بين البلدين. وتحرص الحكومة الألمانية على تسهيل دخول الشركات الألمانية إلى السوق العراقية، وذلك عن طريق مكاتب للاقتصاد الألماني في بغداد والبصرة وأربيل، مثلاً. كما أن الموقع الالكتروني الذي تدعمه وزارة الخارجية الألمانية في شبكة الإنترنت "المنتدى الاقتصادي-العراق" -يمكن الدخول إليه تحت العنوان: www.wp-iraq.de- يوفر الإمكانية لإلقاء نظرة على التطور الاقتصادي في العراق. فهذا الموقع في شبكة الإنترنت يقدم بالضبط ما هو ضروري اليوم: يشير إلى الإمكانات التجارية الملموسة المتوفرة في جميع المجالات. وكذلك هناك العديد من الموضوعات التي تتوجه إلى مهتمين مختلفين كل حسب اهتمامه. كما أن الحكومة الألمانية تدعم زيارات وفود ألمانية إلى العراق والاشتراك في معرض أربيل. وبقدر ما تطّلع الشركات الألمانية على القدرات الاقتصادية العراقية المشجعة جداً في بعض القطاعات، وبقدر ما تتحسن الشروط الإطارية العامة، سيزداد الاهتمام الألماني باقتصاد العراق. وهذا هو التوجه الذي ألاحظه في الوقت الحاضر. وهذا لا ينطبق فقط على إعادة بناء البنية الأساسية في مجال التزود بالطاقة الكهربائية أو في مجال بناء المساكن، وإنما أيضاً على قطاعي النفط والغاز والعديد من الحقول الأخرى.
كيف يمكن للسفارة الألمانية هنا أن تقدم دعماً ملموساً؟
كانت المشاركة الألمانية الأولى لوفد اقتصادي ألماني في المعرض الدولي في بغداد في نوفمبر/تشرين الثاني 2010 بعد غياب دام عدة عقود نتيجة الجهود المشتركة للشركات الألمانية، ومكتب الاقتصاد الألماني، والسفارة. وبذلك وضعت لجميع المهتمين علامة واضحة على الطريق إلى المستقبل. وفي هذه الأثناء نجمت عن هذه المبادرة نشاطات متنوعة لعبت السفارة فيها دور صلة الوصل وناقل الحركة وخاصة تجاه المؤسسات الحكومية. فالدعم الذي تتلقاه الشركات الألمانية عند الإعلان عن مناقصات ومشاريع هامة هو بالنسبة إلى السفارة ومكتب الاقتصاد الألماني من الأعمال اليومية الدائمة.
الهيئة الألمانية للتبادل الأكاديمي (دااد) DAAD ملتزمة بالعديد من المشاريع المختلفة. فكيف يستقبل الجانب العراقي هذا الالتزام؟ وما هي مشاريع التعاون الأكاديمي التي تعتبرها مجدية بشكل خاص؟
حسب رأيي إنه برنامج المنح الحكومية الذي يقدم مائة منحة دراسية كل عام لطلاب شهادتي الماستر والدكتوراه، حيث يتقاسم الجانبان الألماني والعراقي تكاليف البرنامج الجارية بحصص متساوية لكل شريك. وهناك صفحة في شبكة الإنترنت www.tabadul.de تجعل طريقة التعامل مع البرنامج شفافة وتحتوي على جميع المعلومات والاستمارات اللازمة. وهناك خطة لتأسيس "بوابة ألومني-ألمانيا" (الألومني هم الأجانب الحاصلين على شهادات علمية أو مهنية من ألمانيا) Aluminiportal Deutschland، وهي تعاون بين المؤسسة الدولية للتأهيل والتنمية InWent والهيئة الألمانية للتبادل الأكاديمي DAAD ورابطة الخبراء في مجال الهجرة والتعاون التنموي AGEF ومعهد غوته لرعاية التواصل مع الألومني العراقيين، وفيما بينهم، الذين شاركوا في دورات تدريبية ألمانية. وهناك اهتمام كبير للشركات الألمانية بأشخاص لهم صلات سابقة بألمانيا.
الهدف البعيد المدى للتعاون الأكاديمي هو تأسيس جامعة ألمانية عراقية. ولم يزل العراق يعدّ من أخطر بلدان العالم. فهل يمكن التكهن بالزمن الذي يمكن أن يتحقق فيه هذا الهدف؟
لمراعاة ظروف المجتمع العراقي ينبغي أن يكون للجامعة، في الحالة المثالية، فروع في كل من بغداد والبصرة وأربيل. ولم تزل الشروط اللازمة لذلك غير متوفرة، لكن النجاح الذي حققته المدرسة الألمانية في أربيل –وسوف تؤسس عما قريب مدرسة ثانية في السليمانية- يشير إلى أن مثل هذا المشروع غير خيالي على الإطلاق.
أي مشروع من مشاريع التعاون الألماني العراقي يعجبك حتى الآن أكثر من كل المشاريع الأخرى؟
هناك كثير من المشاريع التي تنال إعجابي. وقد سبق وذكرت بعضاً منها. هناك مشروع جيد جداً بسبب تعدد الجهات المشاركة فيه من الجانب الألماني، ولذلك أود الإشارة إليه هنا بشكل خاص: مشروع "آفاق العراق" Irak Horizonte هو مبادرة مشتركة من وزارة الخارجية الألمانية، ومعهد غوته، والاتحاد الألماني للصناعة والتجارة DIHK، واتحاد الصناعات الألمانية BDI، هدفه متابعة تأهيل الجامعيين العراقيين والجامعيات العراقيات من الشباب والشابات من حملة الشهادات ذات الصلة بالاقتصاد والذين يمارسون العمل. يتعرف المشاركون، عن طريق دورة لغوية مكثفة ودورات تأهيل تربوي لعدة أسابيع في شركات ألمانية، على ألمانيا وعلى حياتها الاقتصادية.
أنتم منذ أغسطس/آب 2010 السفير الألماني في العراق. فما هو تقييمكم الشخصي للوضع في البلد بعد إقامتكم فيه نصف عام؟
أظن أنني قد عبرت عن ذلك فيما سبق: إنني مدرك لحجم المهمة التي يواجهها المجتمع العراقي ومعجب بتصديه لها، كما أنني معجب بالتقدم الذي حققته عملية التطور الديمقراطي وإعادة الإعمار الشاملة. وآمل في أن الفريق العامل في السفارة الألمانية في بغداد سيتمكن على الدوام من تقديم مساهمات متواضعة لإنجاح هذه العملية.














